.
.
هل يدخل الشركُ الأصغرُ في الشرك الذي لا يغفره الله أم هذا خاص بالشرك الأكبر؟ وهل يدخل فيه الخفي؟ وهل كل الذنوب داخلة في الشرك الأصغر؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحِمه اللّه تعالى-: (فإن هذا إن كان مشركاً الشرك الأكبر كان مخلداً في النار، وكان شراً من اليهود والنصارى. وإن كان مشركاً الشرك الأصغر فهو أيضاً مذموم ممقوت مستحق للذم والعقاب.
وقد يقال: الشرك لا يغفر منه شيءٌ لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن، وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلماً؛ لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة) (الرد على البكري ص301)
وقد استشكل بعض العلماء كلاماً لشيخ الإسلام رآه من موضعٍ لآخر مختلفاً؛ والذي يبدو لي: أن الأكبر فقط لا يغفره -تعالى- بحيث يخلد صاحبه في النار ولا يوزن شركه مع السيئات في مقابلة الحسنات، بخلاف الأصغر الذي لا يُغفر لكن يوزن مع الذنوب وحينئذٍ يغفر بمعنى أنه ينجو صاحبه من الخلود في النار وإذا رجحت حسناته لم يعذب به وإلا عذب به -ما لم يتب منهما-. وهذا بخلاف بقية الذنوب؛ فقد يغفرها الله تعالى ابتداءً من غير وزن وقد لا يعذب بها ولو رجحت - وذلك بمحض فضله - وحينئذٍ فلا يصح القول؛ بأن الذنوب - جميعها - داخلة في الشرك الأصغر؛ وإلا فما فائدة قوله - تعالى -: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..} مع عدم الفرق بين ما يُغفره وما لا يُغفر، إذا كان شركًا كله!.
وأسباب زوال العقوبة حينئذٍ أوسع بكثير. أذكر منها ما ذكره شيخ الإسلام عشرة أسباب لزوال العقوبة المترتبة على الذنب -ثناء رده على الوعيدية- مختصرة:
أحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين.
السبب الثاني: الاستغفار.
السبب الثالث: الحسنات الماحية.
السبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته.
السبب الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج، بل قد ثبت عنه في «الصحيحين» أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وثبت مثل ذلك في «الصحيح» من صوم النذر من وجوه أخرى، ولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} لوجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة؛ أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له. إلخ
الثاني: أن الآية ليست في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه اللّه ويرحمه به، كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم.
السبب السادس: شفاعة النَّبِيّ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة.
السبب السابع: المصائب التي يكفر اللّه بها الخطايا في الدنيا.
السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، فإن هذا مما يكفر به الخطايا.
السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكُرَبُها وشدائدها.
السبب العاشر: رحمة اللّه وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.
فإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة؛ كان دعواهم أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك)(انظر «الفتاوى» (7/487-501) باختصار) انتهى. أقول: فهذه تنفع في الذنوب دون الشرك بنوعيه؛ فهما على التفصيل السابق. والحمد لله على مزيد فضله {يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [عمران: 74].