الموقع قيد الإنشاء

.

خير الخيرين وشر الشرين

هل فعل الشر القليل لتجنب الشر العظيم يعتبر من الخضوع والتراجع وهل علي أن أعرف ما هو الأكثر شراً والأقل؟

 
الجواب: 
 

الحمد لله: أنه ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، والمصلحة من المفسدة، ولكنه الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين، فيُحَصِّلُ أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ويذرأ أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. وهذا عند التزاحم فقط. ويعتبر هذا حكمة لا تراجعًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - : (كما يقال ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين وينشد ... إن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان مختلفان داوى الأخطرا ...(الفتاوى 20 / 54)

وقال: (وكذلك من الورع الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه لكن على هذا الوجه، وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع؛ كمن يدع الجهاد مع الأمراء الظلمة ويرى ذلك ورعًا...) (الفتاوى 10/ 512)

وقال: (والشارع دائمًا يرجح خير الخيرين؛ بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين؛ بالتزام أدناهما... (الفتاوى 23/182)

وقال: (فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فان الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين -إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا- ودفع شر الشرين -إذا لم يندفعا جميعًا... (الفتاوى 23/ 343

وقال: (فالأقل ظلمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلمًا؛ فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين... (منهاج السنة النبوية 6/ 118)

وقال: (وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين.. (الاستقامة 1/439) انتهى.

قلت: ما شاء الله. لما انفطم على غذاء الوحي صغيرًا، وشب على العمل به ولم ينزع إلى غيره في علمه وعمله ودعوته؛ مع عمق وسعة اطلاعه على جميع أجناس مع يحتج به الناس، أُلهم من المدارك ما يُرى كأن الحق يجري على لسانه وبنانه، ويجد صاحب العلم والحكمة في نفسه ضرورة لقبول كلامه؛ لا يمكنه دفعها، وعلمنا بصبره لدينه علماً وعملاً وجهادًا دائبًا، ويقينه -نحسبه- بعواقب ما دل الشرع عليه في أمر الدنيا والدين؛ يجعلنا لا نتعجب من ظهور ذلك جليًا منه، ويطلب أحدنا ما في أقواله وترجيحاته من يجد فيه سكينه ورفع تردد في المسائل والأزمات مما تختلف فيه أنظار أهل العلم في نصوص الوحي، فياله من عالم رباني ومُرَبٍّ عالمي.

وقال ابن القيم-رحمه الله -: (فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما ... (الطرق الحكمية 1/ 383)

وقال: (فيؤثِر الأعلى على الأدنى، ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما... (مدارج السالكين 3/285)

ونقل عن عمر بدون إسناد قائلاً: (وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الشرين... (روضة المحبين 1/ 8) وابن الجوزي (ذم الهوى) (1 / 8)

بينما نفله غيره عن عمرو بن العاص-رضي الله عنه-: كالذهبي (سير أعلام النبلاء) ( 3 / 74)

وابن عساكر (تاريخ دمشق (46 / 186) وفي جمهرة الأمثال للعسكري (1 / 68) على أنه مثل.