الموقع قيد الإنشاء

.

نزول الله -تعالى- في الثلث الآخر لا يستلزم دوام النزول.

ما جواب من يقول: إثبات النزول في الثلث الآخر من الليل يستلزم أن يكون الله -تعالى- نازلاً دائمًا لأن الثلث الآخر من الليل دائم على الأرض ينتقل من مكان إلى مكان؟
 

الجواب: 

الحمد لله: هذا عليه عدة أجوبة:
الجواب الأول: لو سلمنا هدا التلازم في حق المخلوق، فلا يلزم أن يكون كذلك في حق الرب. وهذا التلازم إنما جاء عن طريق تمثيل الرب -سبحانه- بالمخلوق وتكييف صفاته. مع أن بعض المخلوقات لا يمكن العلم بكيفية صفاتها وأفعالها فهذه (الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة سميعة بصيرة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته أو مشاهدة نظيره؛ فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات؛ فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته، مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم اعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها) (الفتاوى) (3/33). فقد أُتِيَ صاحب هذه الشبة من قبل التشبيه والتكييف الممنوعين في حق الله.
ولو كان التلازم في حق المخلوق، فلا يلزم أن يكون في حق الرب لعدم التماثل {ليس كمثله شيء}.
الجواب الثاني: أنه إذا جاز عدم التلازم في حق المخلوق فعدم التلازم في حق الخالق أولى وأحرى.
الجواب الثالث: أن هذه الشبهة مبنية على أن الله يقرب في نزوله قربًا عامًا من جميع خلقه، وهذا ليس مسلمًا. بل القرب لا يكون إلا خاصًا بخلاف المعية لأن معناها مطلق المصاحبة وقد تكون مع انتفاء القرب.
وهو سبحانه يقرب من المتقربين إليه، ومن الداعين والسائلين والمستغفرين والذاكرين والمحسنين، وليس في النصوص أنه يقرب من كل أحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (فصل: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له كان أقرب إليه) (الفتاوى) (1/39).

وقال: (وكذلك لما قال ابن مسعود: سارعوا إلى الجمعة، فان الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كثب الكافور، فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم في الدنيا إلى الجمعة. فهم الناس من هذا أن طلب هذا الثواب سبب للأمر بالمسارعة إلى الجنة) (الفتاوى) (6/422).

وقال: (فلما استحضر القلب قرب الله -عز وجل- وأنه أقرب إليه من كل قريب، أخفى دعاءه ما أمكنه، وقد أشار النبي إلى المعنى بعينه بقوله -في الحديث الصحيح لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير وهم معه في السفر- فقال: (أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، أنكم تدعون سميعًًا قريبًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وقد قال -تعالى- {وإذا سألك عبادي عنى فاني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ} وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص، ليس قربًا عامًا من كل أحد، فهو قريب من داعيه، وقريب من عابديه) (الفتاوى) (15/17).

وقال: (وهو -سبحانه- قَرِيبٌ ممن دعاه يَتَقَرَّبُ ممن عبده وأطاعه، كما في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تَقَرَّبَ إلَيَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت منه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) (الفتاوى) (35 /371). انتهى المقصود.

وعليه فيكون قربه خاصًا ممن تقرب إليه فلو لم يتقرب إليه فلا نثبت قربًا عامًا حيث لا متقرب.
والأرض فيها أماكن شاسعة غير معمورة بالمتقربين.
فإذا كان وقت الثلث الآخر من الليل -مثلاً- على المحيط الأطلسي والهادي -وهو يستمر هناك وقتًا طويلاً- ولا يكون ثلث آخر في نفس الوقت في مكان آخر، فلا يكون الثلث الآخر مستمرًا على وجه الأرض؛ لأن المحيطَينِ ليسا معمورين بالمؤمنين الداعين أو المتقربين.
وهذا جواب مختصر وبالله التوفيق.