الباعث 25 الغريب والعزيز إلى المزيد في الأسانيد 15-7-1430
المجلس الخامس والعشرون من الباعث الحثيث:
وفيه الكلام على معرفة الحديث الغريب والعزيز إلى الكلام على معرفة المزيد في الأسانيد.
قال ابن كثير:
معرفة الغريب والعزيز
أما الغرابة: فقد تكون في المتن، بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه، كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره. وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة.
وقد تكون الغرابة في الإسناد، كما إذا كان في أصل الحديث محفوظاً من وجه آخر أو وجوه، ولكنه بهذا الإسناد غريب.
فالغريب: ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفاً، ولكل حكمه.
فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ، سمي: " عزيزاً " ، فإن رواه عنه جماعة، سمي: " مشهوراً " ، كما تقدم. والله أعلم.
النوع الثاني والثلاثون
معرفة غريب ألفاظ الحديث
وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الإسناد وما يتعلق به.
قال الحاكم: أول من صنف في ذلك: النضر بن شميل، وقال غيره: أبو عبيدة معمر بن المثنى.
وأحسن شيء وضع في ذلك: كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقبها الخطابي، فأورد زيادات.
وقد صنف ابن الأنباري المتقدم، وسليم الرازي، وغير واحد.
وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك: كتاب " الصحاح " للجوهري. وكتاب " النهاية " لابن الأثير، رحمهما الله.
النوع الثالث والثلاثون
معرفة المسلسل
وقد يكون في صفة الرواية: كما إذا قال كل منهم " سمعت " ، أو " حدثنا " ، أو " أخبرنا " ، ونحو ذلك. أو في صفة الراوي: بأن يقول حالة الرواية قولاً قد قاله شيخه له، أو يفعل فعلاً فعل شيخه مثله، ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره، وقد ينقطع بعضه من أوله أو آخره.
وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع. ومع هذا فلما يصح حديث بطريق مسلسل. والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه.
وقد صنف الناس في ذلك كتباً كثيرة مفيدة، من أجلها: كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي رحمه الله.
وقد كانت للشافعي رحمه الله في ذلك اليد الطولى، كما وصفه به الإمام أحمد بن حنبل.
ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " ، ونحو ذلك.
وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث: " أفطر الحاجم والمحجوم " وذلك قبل الفتح، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة، قبل الفتح بأشهر، وقول ابن عباس: " احتجم وهو صائم محرم " ، وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح.
فأما قول الصحابي: " هذا ناسخ لهذا " ، فلم يقبله كثير من الأصوليين، لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه، وقبلوا قوله: " هذا كان قبل هذا " ، لأنه ناقل. وهو ثقة مقبول الرواية.
النوع الخامس والثلاثون
معرفة ضبط ألفاظ الحديث
متناً وإسناداً والاحتراز من التصحيف فيها
فقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم، ممن ترسم بصناعة الحديث وليس منهم وقد صنف العسكري في ذلك مجلداً كبيراً.
وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ من الصحف، ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك.
وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة: أ،ه كان يصحف قراءة القرآن: فغريب جداً! لأن له كتاباً في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب. وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم: أنه جمع طرق حديث: " يا أبا عمير، ما فعل النفير " ، ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول: " يا أبا عمير ما فعل البعير " ! فافتضح عندهم، وأرَّخوها عنه!! وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد: أنه أو ل يوم إجلاسه أورد حديث " صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين " ، فقال: " كناز في غلس " ! فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بعضهم بأنه تصحف عليه " كتاب في عليين " !! وهذا كثير جداً. وقد أورد الصلاح أشياء كثيرة.
وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي، تغمده الله برحمته، من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أدءً للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض - فيما نعلم - مثله في هذا الشأن أيضاً. وكان إذا تغرب عليه أحد برواية شيء مما يذكره بعض الشراح على خلاف المشهور عنده، يقول: هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها.
؟النوع السادس والثلاثون
معرفة مختلف الحديث
وقد صنف فيه الشافعي فصلاً طويلاً من كتابه " الأم " نحواً من مجلد.
وكذلك ابن قتيبة، له فيه مجلد مفيد. وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم.
والتعارض بين الحديثين: قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، كالناسخ والمنسوخ، فيصار إلى الناسخ ويترك المنسوخ. وقد يكون بحيث يمكن الجمع، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيع بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن الصحابة.
وقد كان الإمام أبو بكر بن خزيمة يقول: ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئاً من ذلك فليأتي لأؤلف له بينهما.
النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في متصل الأسانيد
وهو أن يزيد في الإسناد رجلاً لم يذكره غيره. وهذا يقع كثيراً في أحاديث متعددة)اهـ.
وللحديث بقية