الموقع قيد الإنشاء

.

مسألة شرطية التواتر في القراءة لثبوت أي حرف منها

هل يشترط في القراءة لثبوت أي حرف منها التواتر ام يكفي فيها صحة السند؟

الجواب: 

الحمد لله وبه أستعين وما توفيقي إلا به:
أخي السائل والقارئ! أرجو قراءة الجواب كاملاً أو ترك قراءته ابتداءً.
القرآن متواتر بالجملة من حيث الواقع وعليه الإجماع؛ ولكن لا يشترط التواتر لثبوت كل حرف اختلف فيه القراء، ولا يكتفى لثبوته بصحة السند؛ بل يشترط فيه ثلاثة شروط:
1: صحة الإسناد. مع شرطين آخرين هما:
2: موافقة الرسم العثماني.
3: واحتماله لوجه نحوي؛ بأن يكون موافقًا لوجهٍ من أوجه اللغة العربية.
كما قاله إمام القراء في زمانه شيخ الشيوخ والذي عليه مدار غالب القراءة أبو الخير ابن الجزري -رحمه الله-:
(فَـكُـلُّ مَـا وَافَــقَ وَجْــهَ نَـحْـوِ *** وَكَــانَ لِلـرَّسْـمِ احْتِـمَـالاً يَـحْـوِي
وَصَــحَّ إسْـنَـادًا هُــوَ الْـقُــرْآنُ *** فَـهَــذِهِ الـثَّـلاثَــةُ الأَرْكَــــانُ
وَحَيثُـمَـا يَخْـتَـلُّ رُكْــنٌ أَثْـبِــتِ *** شُـذُوذَهُ لَــوْ أنَّــهُ فِــي السَّبْـعَـةِ) انتهى. خلافًا لمن شرحه محرفًا كلام ذلك الإمام. وسيأتي نقل بقية كلامه المبيِّن.
ثم لا بد من اجتماع هذه الشروطُ الثلاثة، فإذا انتفى أحدها كانت القراءةُ شاذَّةً أو ضعيفة أو باطلة أو لم تكن قراءة أصلاً.
ولا دليل على اشتراط التواتر. وعليه فيكفي اشتهار القراءة وقبول الأمة لها؛ ولو لم تتواتر.
ولا يمكن إثبات أن كل حرف اختلف فيه أنه تواتر عن القارئ الذي نسبت إلي القراءة.
فلا يقال -مثلاً-: إن كل حرف خالف فيه عاصمٌ غيرَه من القُراء؛ رواه عن جمع من التابعين عن جمع من الصحابة وأنه شاركه في ذلك الحرف جمع عن جمع التابعين؛ عن الصحابة حتى يتم الاستدلال لاشتراط التواتر.
نعم لقد قرأ على أبى عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان بنِ عفان، وعلي بن أبى طالب، وزيد بن ثابت.
وكان عاصم يسمع من عبد الرحمن، ثم يعرض على زر بن حبيش، و كان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود. قال أبو بكر بن عياش: قلت لعاصم : لقد استوثقت، أخذت القراءة من وجهين ، قال : أجل.
واعلم أيها الطالب وليعلم كل طالبِ حقٍّ أن التفريق -في الاستدلال- بين المتواتر والآحاد الصحيح؛ أحدثه أهل الكلام المذموم، ولا تجد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من يشترطه في أي باب من أبواب العلم. فهو من دخائل أهل البدع، نعم التفريق بينهما معروف عند المحدثين لا يُجهل، وهو مفيد في باب الترجيح في اختلاف الأسانيد وعند ظن التعارض إلى آخر ذلك.
لكن ليس في رد الآحاد أو عدم قوته في إثبات الشرع باختلاف مناحيه.
وعلى من يقول بتواتر كل حرف -عند القارئ المعين الذي خالف غيره من القراء- أن يأتي بشيئين:
1: أن يثبت أن ذلك القارئ رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- متواترًا.
2: ويأتي بالدليل على عدم قبول المروي عن القارئ مع توفر ما ذكرت -من الشروط الثلاثة- دون التواتر.
والأسانيد منتشرة الآن لا يكاد طالب علم -مهتم بالقراءة- إلا وعنده منها ما يصله بقارئ من القراء. لكن من يدعي أنه اجتمع له ما يبلغ التواتر في كل حرف مختلف فيه ولو عن ذلك القارئ المعين!.
ولا نريد التشبع بما لم نعط. أو أن نترك لأعدائنا موضع حجة علينا فيما لو أرادو إنكار شيء من كتاب الله بأنه غير متواتر، بشهادة من يقول بذلك عفا الله عنا وعنهم.
قال السيوطي -في (الإتقان في علوم القرآن) (1 / 203)-: (وأحسن من تكلم في هذا النوع إمام القراء في زمانه شيخ شيوخنا أبو الخير بن الجزري قال في أول كتابه النشر كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك الداني ومكي والمهدوي وأبو شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.....) إلى أن قال (ثم قال ابن الجزري فقولنا في الضابط ولو بوجه نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم كإسكان بارئكم و يأمركم وخفض والأرحام ونصب ليجزى قوما والفصل بين المضافين في قتل أولادهم شركائهم وغير ذلك.
قال الداني وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها ...) (قال [أي ابن الجزري] وقولنا: وصح مسندها نعني به أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله وهكذا حتى ينتهي وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن غير معدودة عندهم من الغلط أو مما شذ بها بعضهم.
قال: وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف بصحة السند وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن.
قال وهذا مما لا يخفى ما فيه فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم لا وإذا شرطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن السبعة وقد قال أبو شامة شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة أي كل فرد فرد فيما روي عنهم.
قالوا والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن بهذا نقول ولكن فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير له فلا أقل من اشتراط ذلك إذا لم يتفق التواتر في بعضها.
وقال الجعبري: الشرط واحد وهو صحة النقل ويلزم الآخران فمن أحكم معرفة حال النقلة وأمعن في العربية وأتقن الرسم انحلت له هذه الشبهة .... ) انتهى إلخ.
ثم بعد ما قال السيوطي (وأحسن من تكلم في...)الخ؛ انتهى إلى مخالفة ما ذَكَر!! وأوجب التواتر في كل شيء منها؛ قائلاً: (لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواترًا في أصله وأجزائه وأما في محله ووضعه وترتيبه فكذلك عند محققي أهل السنة للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله لأن هذا المعجز العظيم الذي هو أصل الدين القويم والصراط المستقيم مما تتوفر الدواعي على نقل جمله وتفاصيله فما نقل آحادا ولم يتواتر يقطع بأنه ليس من القرآن قطعاً) انتهى.
وأنصح السائل والقارئ بإكمال نقول السيوطي بشرط اليقظة لما فيها، حتى لا يدعى البتر والتحريف، وبالله التوفيق.